القاضي عبد الجبار الهمذاني

355

المغني في أبواب التوحيد والعدل

قيل له : إنا لا نأبى ذلك ؛ بل نقول إنه إذا علمه صدقا ، فكما يحسن من هذا العالم للنفع ، فقد يحسن منه لظن النفع ، وإنما منعنا من أن يقوم الظن لكونه صدقا مقام العلم . وأما في الوجه الّذي ذكرناه فقد يقوم مقامه . فإن قال : فقد أقمتم الظن مقام النفع في موضع لا يصح أن تعتبر فيه مقادير النفع ، وفي ذلك إبطال ما قدمته . قيل له : إن النفع قد يؤثر في حسن الفعل على وجهين : أحدهما ما قدمناه ، ولا بدّ من اعتبار المقادير فيه . والثاني أن يؤثر في حسنه ، لأنه يخرج به من أن يكون عبثا . فعلى هذا الوجه قليله ككثيره ، فغير واجب اعتبار المقدار . وفي كل واحد من الوجهين يقوم الظن مقام العلم على الوجه الّذي بنينا أمره عليه من اعتبار المقدار في الظنون أو فقد اعتبار ذلك . فإن قال : ما أنكرتم أن الظن لا يؤثر في حسن المضار « 1 » ، وأن أحدنا عند الظن يتحمل المضرة لأنه مدفوع إليها فيختارها وإن لم تكن حسنة . قيل له : لا فرق بين من قال ذلك وبين من اعتل بمثله من الثنوية بقبح كل مضرة وإن علم فيها نفع أو دفع ضرر . وإذا لم يصح لهم ذلك من حيث علم بالطريقة التي بها يعلم حسن الأفعال أن الضرر يحسن عند النفع ودفع الضرر ، فكذلك القول فيما يحسن منه عند الظن . وبعد ، فإن كثيرا من المضار قد يختاره أحدنا للظن من غير أن يكون مدفوعا إليه ، نحو إتعاب النفس في طلب العلوم والآداب ، ونحو التجارات / الواقعة من ذوى اليسار ، وفي ذلك إبطال ما سأل عنه .

--> ( 1 ) أي لا يؤثر في اعتبارها حسنة .